03 — السلطة والتعصب
نظرية الشخصية التسلطية وهتلر كمثال عليها :
تعرف التسلطية في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، بأنها : اتجاهات في سياسة الأفراد أو الجماعات وإرادتهم وتتصف بممارسة السلطة عليهم وعدم اعتبار آرائهم أو مراعاة مشاعرهم وتخويفهم بالعقاب إن خالفوا ما يرفضه السلطان أو صاحب السلطة عليهم أو اعترضوا عليه ويمهد لها بتجميع السلطة في يد فرد واحد أو أفراد قليلين .
حدد أندريكسي ثلاثة مكونات للتسلطية ، تنطوي على ما هو نفسي ، وما هو إيديولوجي ، وما هو سياسي :
- ١- يشير المكون النفسي إلى وجود استعداد عام لدى الشخص يدفعه إلى تأييد التميز الطبقي وتمجيد من هو أقوى ، والاستخفاف بمن هو أضعف .
- ٢- يشير العنصر الإيديولوجي إلى منظومة المعتقدات والاتجاهات التي يتبناها الفرد ، والتي تتميز في معظم الأحيان بتمجيد القوة ، والسلوك الاستبدادي ومناصرة حكم الفرد القوي .
- ٣- يشير العنصر السياسي إلى نمط من الحكام أو القادة أو الرؤساء ، والذين يميلون إلى اتخاذ القرارات الفردية ، والتهديد بالعقاب وفرض الرأي الواحد بصورة مسبقة وفردية .
وفي محاولة لفهم أسباب الاتجاهات المعادية للسامية بصورة محددة عام ١٩٣٠ وسلوك الإذعان الخاص بالألمان نحو هتلر قام أدورنو وزملائه بعمل نظرية في الشخصية التسلطية ونظر هؤلاء الباحثون إلى التعصب على أنه اضطراب في الشخصية، يماثل تمامًا مختلف المخاوف المرضية ، أو الحاجات العصابية للموافقة (الاستحسان). ويقوم ذلك على الفرض القائل: " إن مختلف الاعتقادات الخاصة بأحد الأشخاص حول الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تشكل غالبًا، نمطًا متماسكًا وعريضًا، ويبدو أن هناك أساسًا يجمع بين أجزائه هذه. وهذا النمط له جذور عميقة في الشخصية، تحدد ملامح الشخصية التسلطية" والشخصية التسلطية عبارة عن زملة معقدة من السمات التي تميز الأشخاص مرتفعي التعصب. وتنمو الاتجاهات التعصبية من زملة سمات الشخصية التسلطية التي تتحدد كما يأتي :
- ١. الالتزام الصارم بالقيم المتفقة مع التقاليد الاجتماعية السائدة.
- ٢. السلوك النمطي والعقاب القاسي للمنحرفين عنه.
- ٣. الحاجة المبالغ فيها للخضوع للسلطة الوطنية والتوحد معها.
- ٤. تقييد الحرية الإنفعالية.
- ٥ . القوة والغلظة.
- ٦. العداوة.
- ٧. الإسقاط.
- ٨. الإيمان بالخرافات.
- ٩. الميل إلى التدمير.
وتنشأ الشخصية التسلطية في هذه السمات، وتنمو من خلال تعرض الأطفال الأساليب التربية المبكرة للآباء المستبدين والأمهات القاسيات. وحينما يصير الفرد راشدًا، فإنه يميل إلى تكرار هذه الخبرات.
وتنظر نظرية الشخصية التسلطية إلى التعصب على أنه اضطراب في الشخصية ، إن لدى أصحاب الشخصية التسلطية طرقًا خاصة يرون بها عالمهم الاجتماعي. فهم يتسمون بعدم تحمل الغموض، و يفرطون في احترامهم للسلطة، ويظهرون العداوة لأي جماعة قد تعترض على الوضع القائم، فقد مال أفراد البحث الذي أجراه أدورنو وزملاؤه، إلى جعل آبائهم مثاليين، وكانوا يتحدثون عنهم كما لو كانوا مثاًلا للطهارة والعفة وبعد المقابلات الشخصية معهم، ظهر أن هؤلاء الأفراد تعرضوا لأسلوب قاس في التربية وأنهم كانوا باستمرار يكبتون عدوانهم تجاه آبائهم، وصار العدوان متجهًا إلى جماعات أخرى عن طريق الإزاحة مثل جماعات الأقلية .
وتمكن أدورنو وزملاؤه، من تحديد المكونات النفسية (السمات) للشخصية التسلطية، فرأوا أنها تتميز بدرجة عالية من التعصب الاجتماعي، والعدوان والجمود، والملامح العصابية ومشاعر الإثم والقلق، وافتقار الأمن. ويلجأ التسلطيون إلى إسقاط اللوم على الآخرين، لتخويفهم مما لديهم من الشعور بالإحباط والتناقض الوجداني.
كما أسفرت دراستهم عن نتائج بعضها يميز سمات الشخص المتسلط على أنه شخص يمجد نفسه ويضخمها، ويهتم بالمركز الاجتماعي والنجاح الخارجي أكثر من غيره، ربما بسبب نشأته في أسرة تهتم بالمركز الاجتماعي، بسبب عدم الشعور بالأمن والتهديد الداخلي، كما تبين أن آباء المتسلطين يميلون إلى القلق والقمع الشديد، مما أدى إلى خوف الأبناء، وقلقهم وتوحدهم مع آبائهم، قلقًا وخوفًا وعدوانًا .
04 — قراءة نفسية سياسية
دراسة التحليل السيكولوجي لهتلر كشخصية سياسية :
عند تحليل شخصية أدولف هتلر من منظور علم النفس السياسي، ينبغي أن نبدأ بسؤال أساسي: كيف يمكننا فهم العلاقة بين شخصيته والقرارات السياسية التي اتخذها؟
يطرح كتاب The Psychopathic God: Adolf Hitler للكاتب روبرت وايت فكرة مهمة، وهي أن إطلاق وصف نفسي على هتلر لا يكفي وحده لتفسير أفعاله. فحتى إذا وصفنا شخصيته بمجموعة من السمات النفسية أو افترضنا وجود اضطراب معين، فإن ذلك لا يفسر بالضرورة أسباب اتخاذه قرارًا سياسيًا محددًا، أو لجوئه إلى الحرب والتوسع، أو إصراره على تحقيق أهدافه رغم العواقب.
ومن الجوانب التي يناقشها الكتاب محاولة فهم شخصية هتلر من خلال سمات مثل الشك الشديد، والشعور بالعظمة، والحاجة إلى تأكيد الذات. وفي إطار تفسيره النفسي، يستعين وايت بمفهوم الشخصية الحدّية، أو Borderline Personality. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن هذا التفسير يمثل اجتهادًا نفسيًا بأثر رجعي، وليس تشخيصًا طبيًا مؤكدًا؛ إذ لم يخضع هتلر لتقييم نفسي سريري مباشر يسمح بالجزم بتشخيصه.
كيف يمكن ربط هذه السمات بسلوكه السياسي؟
أولًا، يمكننا دراسة ما إذا كان شعوره بالعظمة وثقته المفرطة بأحكامه قد أثّرا في أسلوب ممارسته للسلطة، ومدى تقبّله للنقد، واستعداده لتحمّل المخاطر. لكن لا ينبغي افتراض أن كل قرار اتخذه كان نتيجة سمة نفسية واحدة؛ بل يجب دراسة كل قرار في سياقه التاريخي والسياسي.
ثانيًا، يساعدنا التحليل النفسي على دراسة الطريقة التي يدرك بها القائد العالم من حوله. فإذا كان يميل إلى تقسيم الأشخاص والمواقف إلى أصدقاء وأعداء، أو ينظر إلى المعارضة باعتبارها تهديدًا، فقد يؤثر ذلك في طريقة تعامله مع خصومه وفي تبريره لاستخدام القوة. ومع ذلك، يجب التمييز بين تفسير طريقة تفكيره وبين تحديد الأسباب السياسية والأيديولوجية التي أدت فعليًا إلى قراراته.
وهنا نصل إلى نقطة أساسية، وهي أن شخصية هتلر وحدها لا تكفي لتفسير صعوده إلى السلطة أو سياساته. فمن الضروري أيضًا دراسة الأيديولوجيا النازية، والظروف التي مرت بها ألمانيا، ومؤسسات الدولة، ودور القيادات المحيطة به، والفرص التي أتاحها الوضع الدولي. فقد تفاعلت هذه العوامل مع شخصية هتلر، وأسهمت في تحويل طموحاته وأفكاره إلى قرارات وسياسات أثّرت في ألمانيا والعالم.
وفي الختام، لا تكمن أهمية التحليل السيكولوجي لهتلر في إطلاق تشخيص نفسي نهائي عليه، بل في محاولة فهم الكيفية التي ربما أثّرت بها شخصيته وطريقته في إدراك العالم في ممارسته للسلطة واتخاذ القرارات. والأهم هو ألا نستخدم علم النفس بديلًا عن التفسير التاريخي والسياسي، بل أداةً مساعدة على فهمه، مع مراعاة حدود الأدلة وعدم التعامل مع التفسيرات النفسية المحتملة باعتبارها حقائق مؤكدة.
05 — الأيديولوجيا والعرق
هتلر والعرقية ضد اليهود :
في كتاب هتلر الذي كتبه فترة سجنه باسم كفاحي، كان يرى هتلر في كتابه أن البشر ليسو متساوين في طبيعتهم بل قسم الإنسانية إلى مراتب هرمية، حيث كان يحتل القمة ما يسمى بالعرق الآري ويقصد به الجزء الشمالي كان يعتبرهم صانعي الحضارة وكان يرى العرق الآري بأنه هو الأقوي في بني البشر وبأنه ينبغي أن يسود باقي الأعراق، وبأن ألمانيا على قمة هذا العنصر.
وكان العرق الآري خيالي مكون من الناس البيض ذوي الشعر الأشقر وعيون زرقاء والطول الرشيق وأنه خالي من العيوب والضعف.
أما الشعوب الأخرى وصفها هتلر بأنها حاملة للحضارة بتنقلها دون إبداع ذاتي أو هادمة الحضارة، ووضع اليهود في مقدمة الفئة الأخيرة متبنيًا نظرة بيولوجية وليست دينية فقط.
حيث أنه اعتبر الدم النقي هو أساس قوة الأمة ورأى أن أي اختلاط بين العرق الآري والأعراف الأخرى وعلى رأسها اليهود هذا يؤدي إلى انحطاط الدولة وضعفها.
وصف هتلر اليهود بالجراثيم والطفيليات والسرطانات في جسد المجتمع، وقال بأن اليهود لا يشكل شعبًا بالمعني الجغرافي أو القومي الحقيقي بل هو كائن طفيلي يعيش داخل جسد الأمم الأخرى ليتذوق دمها ومواردها ويدمرها من الداخل.
واعتبر هتلر الشيوعية والماركسية هي أداة يهودية تهدف إلى تدمير القوميات وإلغاء الطبقات وتفتيت هوية الألمانية من الاسفل.
في الحرب العالمية الأولى رفض الاعتراف بأن الجيش الألماني هزم واستخدم اليهود ككبش فداء القى عليهم لوم الهزيمة وخراب البلاد وأنهم يريدون السيطرة على العالم بالأموال التي جمعوها.
أثرت الآراء العنصرية المتطرفة السائدة في ألمانيا في القرن ١٩ في عقلية هتلر وفكره وقد كان الفرق بين من كان يتبنى تلك الأفكار و يعتقدها وبين هتلر أنه نفذها بكل وحشية وفظاعة .
إن الشعب الألماني رغم تقدمه الحضاري إلا أنه شعب عنصري ومتطرف، وقد استغل هتلر تلك العنصرية لديهم وهذه كانت من الأسباب التي جعلت الشعب الألماني يسير خلفه .
أزاح هتلر اليهود من الحياة الاجتماعية الألمانية، وعزلهم من كافة المناصب التي كانوا يتولونها، وإخراجهم من الصحافة ومن الراديو وحتى من السينما والمسرح وغيرها من الإبادات.
وروج لأسطورة طعنة الظهر زاعمًا أن الجيش كان منتصرًا لكنه تعرض للخيانة من الداخل من قبل اليهود والماركسين.